Skip to content

نقد لقصيدة الذبح شوقا _1_.. لكاتب والمفكر عبدالرحمن الجميعان

قصيدة الذبح شوقا .. للشاعر سعد علي مهدي

القصيدة فيها تفجع، وتألم و تذكر الحب والحبيبة، وهي على بحر الكامل، الذي تفعيلاته هي
مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن
وقد رايت في كثير من القصائد التي كسرت على بحر الكامل ، فيها الذكرى والتذكر، و التفجع، وذكر الحبيب، أو الميت وغيرها من ذكريات..
منها
ما قال النمر بن تولب:
هل تذكرين، جزيت أحسن صالح أيامنا بمليحة فهراها
….أيام لم تأخذ إلي سلامها إبلي بجلتها ولا أبكارها
وقال زياد الأعجم:
مات المغيرة بعد طول تعرض للموت بين أسنة وصفائح
ومن ذلك ما قال أبوذؤيب:
أمن المنون وريبها تتوجع؟! والهر ليس بمعتب من يجزع
وقول أبي كبير الهذلي كذلك:
فارقته يوما بجانب نخلة سبق الحمام به زهير تلهفي
وقال عدي بن الرقاع:
ياشوق ما بك يوم بان حدوجهم من ذي المويفع غدوة فرآها ….
فإذا تحير في الفؤاد خيالها شرق من الشؤون بعبرة فبكاها…
هذه وغيرها من القصائد من بحر الكامل فيها التذكر والتفجع، والحب والعشق، والشكوى من العشق..وهي قضية تحتاج دراسة من قبل المختصين، وإن كان في العمر فسحة، فسنتناول هذه البحور الشعرية بشيء من التوسع، وهذه التي بين أيدينا هي كذلك…وهو بحر من دائرة المؤتلف، وهو بحر يبدأ بسبب ثقيل(مت)،ثم سبب خفيف(فا)، ثم وتد مفروق(علن)،
والدائرة تبدأ بوتد مفروق، وتنتهي بسبب خفيف،
وهي ودائرة المتفق الدوائر التي يخرج منها بحران،
وفي المتفق وتد مفروق ثم سبب خفيف وهكذا، و المسألة تحتاج منا النظر والتبصر، وهذه دعوة لأصحاب العلم العروضي أن يقفوا لنا بوقفات لدراسة الدوائر التي صنعها الخليل رحمه الله، وهنا لا يسمح الوقت بذكر شيءإلا بطرف من علم..!
نفضي الآن على الوقوف على المعاني العامة التي تلقي بها إلينا القصيدة…..تبدأ القصيدة بهذا البيت،
هذا الجنونُ إذا تكلمَ وادّعى
سيقودنا نحو النهاية مُسرعا
وهذا اسم اشارة للقريب، ولم يأت بضمير الفصل هو للتأكيد، لعلم الناس أن الجنون واحد، فلا يحتاج إلى تأكيد، فبمجرد الإشارة إليه يفهم الناس فحواه، هذا الجنون..وجاء بالالف واللم للعهد، أي الجنون المعهود، أو هذا جنس من أجناس الجنون، فاللام للجنس..ثم لا بد من سكتة خفيفة، لتدل السامع على ما تريد من هذا الجنون، فما صفته؟ وما فحواه؟ هذا الجنون، ولكنه إذا تكلم.. وهل يتكلم الجنون؟ بكل تأكيد لا يمكن.. ولكن، هنا يريد الشاعر أن يحسسنا بهذا النوع من الجنون، فكلامه ليس كلاما ماديا، ولكنه كلام معنوي، مؤثرفي الواقع..فإذا تكلم بكلام فهو كلام معلوم جارح فينا، و إذا حرف شرط غير جازم، فالجنون، إذا تكلم أمامنا وادعى بدعاوى كبرى، واستمعنا إليه، فهو سيقودنا من دون تعقل ولا تفكير، نحو نهايتنا، والنهاية هنا هي معلومة لدى العاشقين، فهي إما نهية الدنيا، وإما -وهي الأدهى- نهاية غير معلومة، ولكنها تحمل الحسرات، وتحمل في طياتها الهم والغم والكدر الطويل والمعاناة الطويلة التي تقض مضجع الحبيب، ولا تجعله يأنس بشيء من الدنيا..و أتي بحرف السين المفيد للمستقبل القريب، فإن الحب والجنونه سيقودان المحبين إلى نهاية غير معلومة ولا محمودة أبدا، فهاهم العاشقون كثر في الدنيا، لم يخرجوا منها بغير الهم، والسهر والضنى والوله والتفكير الطويل… والضياع المستبد… ثم جاء بالاسم مسرعا، ولم يقل اسرع، ليدلك على الدوام في الفعل، وهو اسم فاعل، كما قيل عن الله تعالى باسط، وهو يبسط، الباسط ليدل على الصفة اللازمة لله تعالى، بأنه رحيم ودود، ثم الفعل يدل على الفعل، ليفرح المؤمن ببسط يد الله تعالى فيشتاق إلى رحمته كل يوم.. والحديث معلوم(إن الله يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار…)، فالفعل هنا أجدى، و أوقع للمؤمن، وللعاصي، ليدل على أنه يبسط يده سبحانه لمن يريد…وذلك كل يوم….فمسرع تدل على القيام بالاسراع دائما…
ثم في البيت الثاني:يناجي نفسه ويلومها، ويهدهدها،
ماذا نظنّ وقد ركبنا موجة ً
ضربَت ضفافَ الطيش كي تتوسّعا
والسؤال ليس في محله، ولا يؤدي إلى إجابة، وإنما أورده دلالة على الاستنكار، كأنك تقول ما ذا تتوقع من هذا الفعل..؟
فماذا يظن المحبون، وقد ركبوا مركبا صعبا، في لجة عميقة، طويل سفرها!
والموج تدل على الهول والفظاعة والفزع، ولكنهما قد ركبا هذه الموجة، للمخاطرة بأرواحهما في طريق هذا الحب والعشق..هذه الموجة قد ضربت-وضربات الموج موجعة ومدمرة تماما-ضفاف، جمع ضفة، فكأن للعشق ضفافا، يسير فيها العاشقون من ضفة إلى أخرى..وهنا ضربت هذه الموجة ضفاف الطيش، فلا يكاد يستقر بالمحبين قرار، ولا يكادون يصلون إلى الأمان بهذا الحب الطائش، الذي لا يدرى أين يذهب بهم..!
ثم يضرب هذا كله، ويلتفت إلى عشقه الذي يريد، كأنه لا يعبأ بما سيكون، فهو يضرب عنه صفحا..
وهجٌ من العشق الجرىء .. مُمَزّقٌ
ضحِكت عيونُ البرق حينَ تجمّعا
و الوهج هو مما أصله فيه الضوء، كالشمس، والنجوم، و هو التوقد والاضطرام كما في اللسان، فهذا وهج من العشق وسماه العشق الجريء، كأنه يريد أن يقول أنه قد كان العشق في جرأة، فقد يكون الموقف يريد جرأة، أو مجازفة، أو عشق كان يعيش في خطأ..وهذا العشق ممزق، كأنه لن يستقر على قرار، والأمر معلوم في أمثال هذه القضايا..و البرق له عيون عند شاعرنا، كأنه يحس ويرى، فهو قد رأى هذا العشق الممزق، كيف تجمع، وهو على شبه اليقين أنه لن يتجمع، أو يتسائل كيف لهذا أن يكون مجتمعا في بوتقة واحدة…؟
وحكاية ٌ للشمس بعضُ همومِها
أن تستبيحَ الليلَ كي يتوجّعا
وهو كذلك حكاية للشمس، ونلاحظ أت الشعر قد أتى بالأجسام المتوهجة للمناسبة مع حرارة العشق المتوهج، ومع ما سبق من ذكرى.. والاستباحة هي أن يجعله مستبيحا حماه، مأخوذا، لا يلوي على شيء، ولا يقدر على فعل أمر..و توجع الليل مع العاشقين، فهو يخفي لقاءهم، ويستر بكاءهم، ويعفو على أثرهم..
ثم يناديه، قائلا:
يا منحة َ العُمر البخيل .. وفرصة ً
لو لم نحاول مَسكها لن ترجعا
فالعشق منحة وهبة من هذا العمر، ونعاه بالبخيل، والبخيل الذي يملك ولا يعطي، فهذا العمر البخيل، كيف أعطى هذا العمر وهو بخيل، هذه المنحة والهبة؟
ولكنها فرصة سريعة الذهاب، لو لم يتصرف العشاق فيها لذهبت بلا عودة..ثم يلتفت إلى شيء في الأرض، وهو الزلزال، والزلزال من فعل رباعي زلزل، وزيادة الحرف تعطي زيادة في المعنى، فالفعل، زل يعني سقط، أو هوى مرة واحدة، ولكن زلزل، زادت في معنى السقوط بمرات أكثر، فهو في سقوط وسقوط، وهنا الزلزال هو الهزة المعروفة، ونحن نعرف كيف أثرها على الأرض،ولكنها أمام هذا العشق المجنون لا تكاد تقارن، وهذا ليدلك على الزلزلة التفسية والاضطراب الذي يصيب العاشقين من عشقهم وحبهم…
هل يعلمُ الزلزال أنّ جنوننا
يكفي لحجم الأرض كي تتصدّعا
وكلمة(حجم) لا تستوي معنى و لا شاعرية مع النص الجميل، ولو ابدلها بكلمة أخرى لكان أفضل وأحعذب في المعنى والمبنى..هذا هو المقطع الأول في القصيدة، وسنعود إلى المقطع الآخر فيما نستقبل من أيام… فمعذرة عن الوقوف..وهنا لي رجاء لجميع القراء الكرام، أن يصوبوا الخطأ، ولا يتركوه، حتى لو كانت القضية في خلاف مستساغ..

Published inغير مصنف