Skip to content

قراءة في قصيدة ( امة الحاء ) علي الامارة

علي الامارة – لجنة النقد
هذه قصيدة من القصائد التي ترثي لحال الامة العربية او تعاتبها او تستنهضها او تسخر من بعض احوالها ورموزها شانها شان بعض القصائد التي سلكت هذا الخطاب الشعري في وضع الامة في ميزان المقارنة مع الامم الاخرى او مقارنة مع تاريخها المجيد مثل قصيدة الجواهري التي مطلعها :
امم تجد ونلعب ويعذبون ونطرب
المشرق الواعي يخط مصيره والمغرب
الى ان يقول :
ونعيش نحن كما يعيش على الضفاف الطحلب
او قول سليمان العيسى :
امتي هل لك بين الامم منبر للسيف او للقلم
وغيرها كثير من القصائد التي ترثي حال الامة العربية في كثير من مواقفها واحوالها في العصر الحديث ويعلو هذا الخطاب الى سطح المشهد الشعري كلما مرت الامة بحال صعبة ترقى الى مستوى النكسة او الكارثة او المجزرة كالتي تعيشها الان الامة من خلال ماساة مدينة غزة وموت الابرياء بنار العدوان الصهيوني دون موقف عربي صريح ومتماسك يقف بوجه هذه الهجمة الدموية على غزة … كما ركز الشاعر على اتكاء الامة على ماضيها وغيابها او ذوبانها في لحظة تاريخية ماضية ومحاولتها اغماس راسها النعامي – من النعامة – في تراب الماضي دون ان تعي او تعاصر لحظتها الراهنة حتى صارت امة ماضي يُؤكل حاضرها ويُنهش مستقبلها وهي مشغولة بالالتفات الى تلك اللحظة الهاربة في غيابة الزمن وان الشعراء ربما يحسون اكثر من غيرهم بالاشكالية التاريخية التي تعيشها الامة مع الزمن .. زمنها الغائص في الرمال .. و لكنهم يكتمون احيانا هذا الاحساس حتى يفجروه على صخرة الازمات التي تمر بها الامة كازمة غزة اليوم فيفضح الخطاب الشعري هذه الاشكالية :
وضعَت على رفّ التراثِ حياتَها
وتصوّرَت رهن التراثِ بقاءَها
عاشت على كنا وكان
جدودنا بالأمس ِ .. حتى أضحكَت أعداءَها
ثم ان الشاعر يشير من طرف ليس بخفي الى حادثة الحذاء – حذاء منتظر الزيدي – كمفارقة من مفارقات الامة المضحكة المبكية :
كانت تفاخر في الحوار بضادها
فاستسهلت لغة ( القنادر ) حاءها
وربما اعطى قصيدته عنوان ( امة الحاء ) ليزيد من مساحة التاويل الحذائي ان صح التعبير – ولم لا يصح – وهذا حال امتنا ؟!
كما يمتد الخطاب الشعري في افق المفارقة فيستفيد الشاعر من بيت ابي الطيب المتنبي :
على قدر اهل العزم تاتي العزائم
وتاتي على قدر الكرام المكارم
فيقول شاعرنا سعد علي مهدي متاسيا على الامة :
وبقدر اهل العزم كان لعزمها
نصر …. على قدر التفاهة جاءها
وقد جعل الشاعر انتكاسات الامة وركضها وراء السراب والاوهام وقبولها بالهوان او السكوت عليه محورا للقصيدة دلالة وبناء او نسغا دراميا متناميا او متواشجا ضمن المسار المضموني العام ولكنه جعل لهذا المحور المضموني مرتكزات دلالية اهمها حادثة الحذاء الذي خصها باكثر من اربعة ابيات لحرارة هذا الحدث القريب من حدث مذبحة غزة زمنيا على الاقل .. ان الشاعر في الازمات يقبل منه ما لا يقبل من سواه بل هو بلا ازمات يقبل منه فكيف الحال في الازمات وذلك لان الشاعر مرآة صافية بل صادمة للذات الجمعية ولا سيما على مستوى ذات امة مازومة بزمانها المنهوب مثل مكانها طبعا .. من هنا كان سعد صادما في خطابه وصافيا في مرآته البوحية .
ومكارم الاخلاق ليس يضيرها
شيء .. وقد مسح الحذاء طلاءها
اما على مستوى البناء الفني للقصيدة فقد وفق الشاعر في استخدام بحر الكامل الذي يليق بالرثاء والخطاب التهكمي كما انه استخدم حرفي الهاء والالف بعد القافية الهمزة ليشد من ازر البيت الشعري بان يعيد بناءه بالضمير العائد على الامة ( ها ) التي هي مركز الخطاب الشعري كشخص ثالث معني مباشرة بالخطاب كنسيج موضوعي عام فكل بيت في القصيدة او اغلبها ينجمع في نهايته بالهاء العائدة على الامة .. مثل ( اعداءها ، شعراءها ، طلاءها ) الخ .. كما استخدم نسيجا بلاغيا هادئا ومتماسكا بعيدا عن الترهل او المباشرة التي تسفه غالبا القصيدة العمودية بل ان شاعرنا اعتمد الانزياح والمجاز مركبا للوصول الى غايته منذ المطلع :
مسحت على عرق الجبين حياءها
وتفاخرت بالوهن حاك رداءها
وحاول الشاعر ان يكرس هذا المجاز عبر الصور الشعرية المتدفقة على الرغم من ان المعنى المفارقاتي الذي يريده يسحبه احيانا باتجاه التعبير المباشر:
وقد استثيرت في االنزال فحشدت
جيشا كبيرا لا يخيف نساءها
الا ان الشاعر يصمد بادواته الفنية امام المعنى الشعري او المضموني الضاغط فيحاول تاثيث لغته الشعرية بفضاءات شعرية متوالدة ليمسك عصا الموازنة الشعرية الصعبة بين المضمون والاداء بين سحر اللغة البياني وبين محمولها الدلالي الذي يجذب الخطاب باتجاه التفسير او التقرير الا ان حنكة الشاعر وخبرته في التعاطي مع الفن الشعري يقلل من هذا الجذب ويلبسه لبوس المجاز والفن الشعري بجمالياته وتحليقاته الساحرة ..

قصيدة امة الحاء

Published inغير مصنف