Skip to content

قراءة في منشور عطري ، رؤية تأويلية للتشكيل الجمالي

 

قراءة في منشور عطري ، رؤية تأويلية للتشكيل الجمالي


قراءة في قصيدة ” قراءة في منشور عطري ” للشاعر سعد علي مهدي :تثوير عالم النبات كبناء مواز لعالم البشر
قراءة تأويلية في التشكيل الجمالي
بقلم د. مصطفى عطية جمعة

يشكل نص ” قراءة في منشور عطري ” نموذجا لكتابة شعرية مميزة تتعامل مع مكونات عالمنا المادي والميتافيزيقي برؤية جديدة ، هذه الرؤية تمثل خطا متميزا في الكتابة الشعرية ، ولها امتدادات في التراث الشعري العربي ، وكذلك في الشعر العالمي ، ولعل هذا النص نموذج ثري لهذا اللون الشعري ، الذي يعتمد على رؤية مفادها : إن كل ما حولنا في الوجود يعايشنا مثلما نعايشه، فيجب أن نتعامل معه بوصفه حيا متحركا منطلقا ؛ وبالتالي تسقط نرجسية الإنسان واستعلائه على الوجود ، فليست الطبيعة في خدمة غرور الإنسان ، بل هي مكون أساس له في هذا الوجود . فهل يستطيع أي منا الاستغناء عن النباتات أو الحيوانات أو الطيور أو الأفلاك ؟ إذن ، فلماذا الاستعلاء عليها ، والتعامل مع مكونات هذا الوجود من منظور أن البقاء للإنسان فقط ؟ هذه رؤية الفكر البيئي الذي اجتاح العالم منذ عقود .
تأسيسا على الرؤية السابقة ، في المحيط الإبداعي ، فإن هناك تيارا أدبيا بات يتعامل مع مكونات الوجود بوصفها كيانات موازية متكاملة المعالم والرموز، ومن الممكن بناء عوالم شعرية وإبداعية ، ذات تشكيل جمالي مستقى من هذه الكيانات بحيث يكون هذا الكيان عالما متكامل العناصر ، والرموز ، والدلالات ، ويكون وسيلة إسقاطية لقراءة عالم البشر . ولنا في الفنون التشكيلية نموذج فاعل ، فكثير من اللوحات التشكيلية تتناول جزئيات وشرذمات ومتناثرات المادة في الوجود ، وتعيد تشكليها لتقديم قراءة فلسفية وجمالية لعالمنا البشري .
وفي هذا النص يتخذ – شاعرنا – النباتات بتفاصيل حياتها عالما موازيا لعالم البشر ، ومن خلال هذا العالم النباتي ، يقدم ” سعيد مهدي ” قراءة لعالم البشر ، بكل جزئيات عالم النبات ، على مستوى الزهور والأشجار والألوان ، وأيضا ما يضاد النبات من مفسدات مثل الأملاح والمبيدات ، فنحن نتيه متأملين في دنيا النباتات ، معجبين بزهورها الجميلة ، وأشجارها الباسقة ، وألوانها الزاهية ، ثم نكتشف أن هذا التيه ، ما هو إلا بناء فلسفي له إسقاط واضح على العالم الإنساني ، ورغم صدمتنا الناتجة عن الخروج من دنيا النبات ، إلى واقع الإنسان بكل عنفوانه ، ومظالمه ، فإن نشعر أن هذه القراءة امتلكت عبقا نباتيا مشبع برائحة الزهور ، وبسوق الأشجار ، وتنوع الألوان .
تأتي هذه القراءة ضمن تجربة ” نص وقراءة ” في محاولة لتسليط الضوء على عالم شعري متميز للشاعر سعيد على مهدي ، الذي يعد ضمن طليعة الشعراء العرب الذين يتكئون على جماليات شعر الحداثة ، ورؤى ما بعد الحداثة، في قراءة الوجود ، وقراءة أزمات مجتمعنا العربي ، بروح إسلامية ، وبرموز ودلالات تضرب في أعماق الثقافة الإسلامية . لذا كان المنهج الأنسب – الذي ارتأيناه – هو منهج التأويل الدلالي لجماليات النص ، فلا يمكن بأي حال فصل جماليات النص الجزئية عن الرؤية الكلية المطروحة ، وقد نشر النص في منتدى “مرافئ الوجدان ” الإلكتروني الذي يحفل بكثير من الإبداعات المميزة .
وفي سبيل المزيد من التفاعل مع القراءة ، نقوم بعرض النص ، ومن ثم تكون القراءة التأويلية من منطلقات جمالية وتشكيلية .
* * *
النص :
قراءة في منشور عطري للشاعر / سعيد علي مهدي

ماذا تنتظرُ الأزهارُ لتعلنَ عن ثورتها الكبرى

في وجه توابيت الملحِ

وبوجه طواغيت القُبحِ

كي تنشر أفكار النسرين علانيةً

وتبشّرَ أوراق الدفلى

برياح الثورة والفتحِ

اِنّ التحرير له ثمنٌ

وبدن النزف مع الطعنةِ لا يُذكرُ شأنٌ للجُرحِ

فتعالَي نُعلن ثَورتَنا

الآنَ .. ونحملُ صورتَنا

زاهيةً تحملُ رَونقَها

أنباءُ الليل الى الصُبحِ

*********

نفرحُ بالبسمةِ والنظرةِ من خلف ستارٍ يفصلنا

من دون ستار

وكأنّ الكَونَ يلاحقنا بقذارتهِ

غسلاً للعار

يا كلّ نفايات الأرض انتظري فالثورةُ قادمةٌ

لا بدّ سيقلعُكِ الأعصار

ولقد أقسمتُ على النرجس كي ينهضَ في كلّ الدنيا

لكنّ النرجسَ أرسلني كي أستنهضَ كلّ الأزهار

لتُدافعَ عن شرف العطرِ

ولَون العشقِ

وتقرأَ للصحراء قليلاً ما جاء بكرّاس الأمطار

**************

للبُرعمِ رَبٌّ يَحميهِ

ما دام العطرُ بجانبهِ

والماء الدافىءُ يَسقيهِ

لا خوفَ على فكر النعناع من الأملاح اذا زحفَت

لتمارس دَور التشويهِ

ستُعيدُ الأرضُ خصوبتُها

بربيعٍ آخر يَرويهِ

وستُعلنُ أغصانُ الزيتون تجاربَها

عن رسمِ علامات الصُلحِ

في وجه أساليب الرُمحِ

اِن يَمسـسها قرحٌ فلقد عاشَت تستهزىءُ بالقَرحِ

ولقد أقسمتُ بخضرتها

سنقاومُ تيّار الملحِ

سنقاومُ تيّار الملحِ
القراءة :
إنه نص مدهش ، نص محفز ، نص مستفز .
مدهش لكونه يتعمق مكونات الوجود ، فيختار الزهور والنباتات ، لا لكي يصفها أو يتحدث عن جمالها أو يستخدمها وصفا لغيرها من البشري ، وإنما كي يقيم علاقة معها .
نص محفز لكون العلاقة المقامة بين الشاعر وزهوره وأشجاره ليست علاقة حب وتلاق على غرار قصائد وصف الطبيعة التي سادت حقبة الشعر الرومانسي ، وإنما علاقة تثوير ( من الثورة ) ، تطرح قراءة للكون من واقع الرغبة في التغيير ، تغيير الكون، بكل ملوثاته المادية والمعنوية .
نص مستفز لكونه يستخدم الزهور والنباتات والأشجار منشورات وبيانات للثورة، وأدوات للتغيير ، فيصبح الزهر زعيما للثوار ، محركا للجموع النباتية ، متسلحا بأشجاره ، مصطبغا بألوانه .
إنه نص سير في خط جديد في الكتابة الشعرية لم تنفرد به بالطبع ، فمعه آخرون بالعربية وغيرها خاصة في تجار شعر الدول الإسكندنافية ، حيث ظهرت جماعات شعرية تعتمد العلاقات المباشرة مع النباتات والطيور … ، تحيا معها ، وتتنفس في محيطها ، فخرجت نصوص من شذى هذه العلاقات ، ولكنه مشبعة بروح الإنسان ، ورؤاه وفلسفاته .
شاعرنا يثور في مطلع النص هاتفا :

ماذا تنتظرُ الأزهارُ لتعلنَ عن ثورتها الكبرى

في وجه توابيت الملحِ

وبوجه طواغيت القُبحِ

كي تنشر أفكار النسرين علانيةً

وتبشّرَ أوراق الدفلى

برياح الثورة والفتحِ

منذ المطلع ، تبدو العلاقة المتفجرة ، دون تمهيد مسبق لنشوء هذه العلاقة ، بل تترك هذه المسبقات للمتلقي ، يتخيلها ، ويتوقعها ، ومن ثم يبني عليها ، وبعبارة أخرى : فإن الشاعر استهل نصه من نقطة المنتصف ، حيث الزهور مشحونة بكل ما في عالمها من مظالم ، فعليها أن تعلن الثورة ضد الملح والقبح . تأويل النص ينصرف- وفقا للمعطيات الجمالية – إلى أن الزهور هي شبابنا ، هذا الشباب الذي استوى في عالم الكبار ، فوجد من المظالم والعهود الخائنة ما دفعه للثورة ، وجاءت مفردات : الملح والقبح ، معبرة عن هذه الأنظمة النباتية / الإنسانية بكل تكلسها ، وخمودها ، وركونها ، وقد كانت مفردة ” النسرين ” بكل دلالاتها الجمالية ، وأريحيتها اللونية صاحبة فكر الثورة المرتجاة ، ورافعة لواءها . ومن أجل ربط العالم النباتي بالبشري ، كانت مفردات البشر الشائعة : الطواغيت ، الثورة ، الفتح ، وهي مفردات مستقاة من قاموس شعري راسخ في زمن الثورات العربية الذي ساد حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين ، فهذا بناء على بناء أو بالأدق : تناص على تناص ، على مستوى المفردات المنتقاة بدقة ، لتحقق الإحالة التأويلية المقصودة .

ولقد أقسمتُ على النرجس كي ينهضَ في كلّ الدنيا

لكنّ النرجسَ أرسلني كي أستنهضَ كلّ الأزهار

لتُدافعَ عن شرف العطرِ

ولَون العشقِ

وتقرأَ للصحراء قليلاً ما جاء بكرّاس الأمطار

النرجس ليس ماديا بل بشريا ، وليس بشرا عاديا بل ثائر مفجر ، وهو يثور بطريقة الأزهار ، يثور من أجل الحفاظ على العطر ( رمز نقاء الوجود ) ، والعشق ( رمز القلبية النقية والعاشقة ) ، وللصحراء (رمز للجدب ) . إنها ثورة من طراز جديد ، ثورة الزهور ضمن عالم الطبيعة بخضرته وصحرائه .
وتداخل البشري / الشاعر ، من خلال جملة ” أرسلني كي أستنهض ” لنعيش تجربة ثورة الزهور ، ويظل السؤال : هل الشاعر زهرة ضمن الزهور أم بشر تداخل بإنسانيته لتحريض النباتات في سبيل ثورته . هذه الثورة تسعى :
” لتُدافعَ عن شرف العطرِ
ولَون العشقِ ”
هدف زهري ، مصبوغ بالإنساني ، فشرف العطر / كرامة الإنسان ، ولو العشق / محبة الإنسان .
إننا لا يمكن أن نستوعب التمايزات الأسلوبية التي تفجرت في كلمات النص من خلال الطريقة التقليدية : الاستعارة والكناية ، وإنما في إطار أكثر شمولا ، فالنص كل لا يتجزأ ، لا ينفصل عن الرؤية . والرؤية واضحة : إننا – بوصفنا بشرا – لا نعيش الوجود بمفردنا ، بل يتعايش معنا النيات والحيوان والفطريات. وقد اتجه الشاعر نحو هذا ، وراح يسقط على عالمها كل ما في كوننا من فساد وإفساد ، برؤية إسلامية ناصعة ، تستلهم منجزات شعر الحداثة الجمالية ، وتقدم رؤية ما بعد حداثية ، تتخذ الإسلام رؤية شاملة للكون ، رؤية فلسفية ، وقدم من التناص التاريخي ، والقرآني ، ما يشكل داعما خلفيا لهذه الرؤية ، حيث يهتف الشاعر :
للبُرعمِ رَبٌّ يَحميهِ

ما دام العطرُ بجانبهِ

والماء الدافىءُ يَسقيهِ

لا خوفَ على فكر النعناع من الأملاح اذا زحفَت

لتمارس دَور التشويهِ

ستُعيدُ الأرضُ خصوبتُها

بربيعٍ آخر يَرويهِ

( للبرعم رب يحميه ) تناص مع مقولة عبد المطلب بن هاشم ، وهو يقول لأبرهة الأشرم : ” للبيت رب يحميه ، عندما أراد الأخير مهاجمة الكعبة ، فهل البرعم رمز للبيت الحرام لو طرحنا تأويلا إسلاميا ؟ أم رمز للدين كله لو اتسع التأويل ؟ أم رمز للوجود الرباني لو رحب التأويل ؟
وفكر النعناع : بكل شذى النعناع ، وخضرته الزاهرة . رائع هذا القول ضمن المنظومة النباتية التي قدمتها ، فالنعناع ليس زهرا ، ولا نباتا عاديا ، إنه يجمع شذى الزهور وفوائد النبات والثمار : رائحة زكية مميزة العبق ، ولون أخضر زاه ، وأوراق ذات نسق تشكيلي ولوني فريد . فإضافة ” فكر ” إلى النعناع يشي بطزاجة وصفاء وعذوبة ونكهة الفكر .
( الأملاح ) رمز للفساد والإفساد والتلوث ، وهو رمز مستقى من عالم النبات ، حيث الأملاح خطر يهددها ، وهذا مقدم ضمن المنظومة الكلية التي انتهجها الشاعر في نصه : تثوير عالم النبات ليكون عالما موازيا لعالمنا البشري .
ويقول :
وستُعلنُ أغصانُ الزيتون تجاربَها

عن رسمِ علامات الصُلحِ

في وجه أساليب الرُمحِ

اِن يَمسـسها قرحٌ فلقد عاشَت تستهزىءُ بالقَرحِ

ولقد أقسمتُ بخضرتها

سنقاومُ تيّار الملحِ

سنقاومُ تيّار الملحِ
التناص قرآني : ” إن يمسسها قرح ” ولكن مع دلالة جديدة ، دلالة التحدي ، لكل ما هو ملوث في هذا الكون ، ولننظر إلى اللفظة القرآنية التي أعطت توهجا رائعا في سياقها النصي ، وهو توهج من كونها تحيلنا إلى أن القرح / الأزمة / المحنة / الاحتلال ، لا يمس المسلم فحسب ، وإنما يمس الكافر ، فإن نكن نألم فهم يألمون كما نألم .
( خضرتها ) رمز لوني إسلامي ، يعيدنا إلى ألوان الرسول صلى الله عليه وسلم المفضلة ، حيث كانت رايته خضراء ، وقيل إن خيمته كانت خضراء ، وهو يتخذ اللونية الخضراء رمزا للمقاومة .
وهي تقاوم : تيار الملح / كل مجترئ مفسد يطاول أمتنا ، وأرى أن الإلحاح على ذكر الزيتون إشارة واضحة للجهاد الفلسطيني ، ولنرجع لأدبيات وأشعار المقاومة ففيها الزيتون رمزا للأرض ، كما أن شعار فصائل المقاومة ( حماس مثلا ) لونه أخضر ، وقد تطورت دلالة الزيتون من السلام (المصطنع المزيف ) إلى المقاومة والثبات . ونقف هنا ، فهذا تناص على تناص ، تناص الزيتون الذي ملأ شعر فلسطين بمستويين : مستوى الإشارة إلى أن أشجار الزيتون من أخص بيئة فلسطين النباتية ، ومستوى أن الزيتون رمز للسلام ، وإن كان السياق النصي هنا يختلف ليصبح جزءا من أدوات المقاومة والتغيير ، ويكون السؤال : هل هذا سخرية غير مباشرة / سخرية شعرية ، من شعارات السلام المرفوعة ؟ أرى أن هذا الأرجح ، من خلال النص ، حيث جاء :
وستُعلنُ أغصانُ الزيتون تجاربَها
عن رسمِ علامات الصُلحِ
وختام النص ، لم يخرجنا من عالمه النباتي ،
ولقد أقسمتُ بخضرتها
سنقاومُ تيّار الملحِ

فهو مقاوم تيار الملح / بكل جموده ، وملوحته ، وفساده ، والتأويل الأخير للملح تأويل يشمل المحتل اليهودي والغربي ، إلى كل من يتآمر ضد أرضنا الخضراء ، إنها قصيدة الثورة النباتية ، التي نجحت في تكوين قاموس شعري وشاعري ، ثري الدلالات ، عميق التأويل ، متنوع المفردات .
وأخيرا إنه :
نص مدهش ، محفز ، مستفز

Published inغير مصنف