Skip to content

ــ سيرة ذاتية مبعثرة على كتاب الوطن ــ

الطائفيّة ُ كما العنصرية كلاهما مرض .. ومن هنا فإن الطائفيّ أو العنصري مريضٌ بطبيعة الحال .. إلا أنّ المشكلة هي أنّ ذلك المريض لا يعلم بما يعانيه .. فضلا ً عن أنّ حامل الفيروس الطائفيّ أو العنصري لا يتأثر به هو فحسب .. وإنما يمزٌقُ مجتمعا ً يُفترض به أنّ يكون ذا نسيج ٍ متماسك .

ما الذي يساعد على انتشار هذا المرض ؟ ما الوسط الذي يساعد في نمو الفيروس ؟ ماهي الأعراض ؟ كيفيّة الوقاية منه .. وأخيرا ً .. ما هو العلاج ؟ .

سأتخذ من نفسي نموذجا ً لعراقيّ طحنته الحياة .. وأرهقته رحلة ٌ استغرقت عشرات السنين .. حيث شاء ليَ الله أن أنثرَ رمادي على كل أجزاء هذا الوطن من أقصاه إلى أقصاه .. كما شاءت لي الظروف أن أعيش وأتعايش مع كلّ العراقيين ( عرب .. أكراد .. تركمان .. آثوريين .. آيزيدين .. صابئة .. مسحيين .. مسلمين سُنّة و شيعة … إلخ ) . رحلة ٌ طويلة ٌ بين دراسة ٍ جامعيّة ٍ وحياة ٍ مدنيّة ٍ وعسكريّة .. جعلت مني عراقيّا ً يعيش أحداث الواقع ومجريات الأمور .. ويتعرّف على العراقيين عن قُرب .. لا عن طريق الإعلام .. أو الروايات .. أو السفر العابر .. وإنما عن طريق المعايشة الحقيقية مع المجتمع العراقيّ بكلّ تفاصيله ومتنافضاته .

تسعفني الذاكرة هنا لأقول .. عندما كنت طالبا ً جامعيّا ً في شمال العراق .. عانيت كثيرا ً من التعامل العنصري . فأنا عربيّ من الجنوب كنتُ ضمن أقلية ٍ من الطلبة العرب .. في جامعة ٍ أغلبية الطلاب فيها من الأكراد والتركمان .. وتقع في مدينة ٍ كردية ٍ اسمها السليمانية .. في شمال العراق .

كان ينظر لنا الأساتذة والطلبة الأكراد بكراهية ٍ شديدة الوضوح .. ويعاملوننا على أننا محتلّين لأراضيهم لا عراقيين نشاركهم الوطن .. أما الطلبة التركمان .. فقد كان ولاؤهم لتركيا صريحا ً .. وهم بذلك يتبعون أصولهم التركيّة .. ويميلون في التعامل إلى الأكراد لا إلى العرب .

كان ذلك في منتصف سبعينيّات القرن الماضي .. وتحديدا ً في عام 1976 .. وقد ضقت ذرعا ً بتعامل الأكراد العنصري معنا نحن الطلبة العرب لدرجة أنني فكرت بترك الدراسة والعودة إلى مدينتي حيث كنت أسكنُ ( البصرة ) آنذاك .

ما حدث ليَ احتكاكٌ مع شخص ٍ كرديّ سواءَ أكان طالبا ً أو بائعا ً متجوّلا ً أو رجلا ً أو طفلا ً إلا وقال لي مستنكرا ً احتكاكي به وبلهجة ٍ عراقيّة ٍ ركيكة  .. ( كاكه قابل آني مواطن درجة سانية ؟ ) .. يقصد ( أخي هل أنا مواطنٌ من الدرجة الثانية ؟ ) . حدث ذلك معي عدّة مرّات .. لقد كانوا يشعرون في أعماق أنفسهم بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية أمامي .. لكوني عربي . وقد كان يؤذنيني جدّا ً ما يشعرون به .

كما لاحظت أن الشعب الكردي يتعاطف مع الطلبة الفلسطنيين مع كراهيتهم لبقية الطلبة العرب .. حيث يظنون أنّ معاناتهم والشعب الفلسطينيّ واحدة .. وكثيرا ً ما كانوا يكتبون على الجدران ( لن تتهوّد فلسطين باليهود ولن تتعرّب كردستان بالعرب ) .. رغم أن قيادات الأكراد كانت ومازالت طيّبة العلاقة جدّا ً مع القيادات الإسرائيلية .

إنّ تعاقب السنوات جعل بعض الأكراد يعلمون بأنني لا أنتمي إلى حزب .. فضلا ً عن أنني من الجنوب .. ومن هنا لاحظت تعاطفهم معنا نحن الجنوبيين رغم أننا عربٌ أقحاح .. وعلمت حينها أن ذلك التعاطف الكردي ناتجٌ عن شعورهم أنّ معاناتنا واحدة .. وأننا نتعرض للاضطهاد معا ً تحت مطرقة الحكم العربي ــ السُنّي .

هناك تفتح ذهني على ما يعانيه أولئك القوم .. وأبصرتهم كيف يشعرون بمرارة الإقصاء التام والتهميش المتعمّد .. وما كان تعاطفهم مع أبناء الجنوب بدافع ٍ قوميّ .. فهم أكراد .. ولا بدافع ٍ مذهبيّ .. فهم سُنّة .. وإنما بدافع الشعور أننا جميعا ً ( العرب الشيعة والأكراد ) مواطنون من الدرجة الثانية .. بينما العربيّ السنيّ مواطنٌ من الدرجة الأولى .. إذ يمكنه الحصول من خلال هذه الميزة على أعظم وأخطر المناصب المتقدمة في الدولة .. بينما يحصل العرب الشيعة على مراكز ثاتوية من حيث أهميتها وخطورتها .. في الوقت الذي لا يحصل فيه الأكراد على شىءٍ ممّا يتمنون . كان شعورهم بهذه العقدة فظيعا ً .. وكنت أقول مع نفسي .. لا بدّ لهؤلاء أن ينفصلوا في ذات يوم ٍ عن العراق .. حيث أنهم يختلفون عن الوسط والجنوب في كلّ شىء .. من اللغة .. إلى الطبيعة الجغرافية .. إلى الزيّ الذي يرتدونه .. إلى أشياء كثيرة .. ولا يشتركون معنا إلا بالإسلام فقط .. فهم مسلمون .

لم أفرح بتخرّجي عن الجامعة سنة 1980.. ففي اليوم الذي هممتُ فيه باستلام وثيقة التخرّج أعلنَت الحرب العراقية مع إيران .. لأجدَ نفسي بعد ستة شهور ٍ منها ضابطا ً مجنّدا ً على صنف الدروع ( الدبّابات ) .. وشاءت الأقدار إلى أن أعود بعد سنة ٍ أو سنتين لا إلى السليمانية فحسب .. وإنما إلى كردستان كلّها .. لأطلع على مدنها وجبالها ووديانها وقراها ومجاهيلها .. كما أطلع على القمع والتنكيل الذي يتعرض له الأكراد على يد الجيش العراقيّ العربيّ آنذاك .

يشهد الله أنني ما شاركت بأي نوع من أنواع تلك الأساليب البشعة .. ولكنني كنت شاهد عصر ٍ أرى وأسمع .. وكنت أكتم تعاطفي خشية أن أوضع في دائرة الاتهام وأنا ضابطٌ مجنّدٌ برتبة ٍ صغيرة .. فضلا ً عن أنني من الجنوب .

كنتُ شاهدَ عصر ٍ على إزالة قرى ً كرديّة بكاملها من الوجود .. بينما هجرها سكانها بشكل ٍ جماعيّ إلى ما وراء الحدود .. حيث لم ألاحظ خلال الجولات التفتيشيّة التي كنا نقوم بها بحثا ً عن الأسلحة سوى بعض المخلّفات لأناس ٍ كانوا يسكنون في تلك الأرض التي صارت خرابا . قطعة قماش لامرأة ٍ هنا .. حذاء طفل ٍ صغير هناك .. بندقية كلاشنكوف مدفونة تحت الأرض هنالك .. وهكذا . لم يبقَ شىءٌ للأكراد أمام جرّافات الحقد العنصري .. وكان ذلك بعد عمليات الأنفال مباشرة سنة 1988 .. كان قلبي يقطرُ دما ً لما أرى .. دون أن أعلم أنّ ذلك سيتكرر على مناطقنا الجنوبية ذات يوم .

مازلت أذكر صرختي في وجه ذلك العميد الموصليّ الذي انهال ضربا ً على أحد الأكراد دون ذنب أمام أنظار طفليه .. ( كفى يا سيّدي رجاءً .. أخاف من الله أن يمحقنا بصاعقة ٍ نتيجة هذا الظلم ) .. فما كان منه إلا أن قال لي بصوت ٍ هادىء .. ( ملازم أول سعد أنت عاطفي .. لا ترافقني مستقبلا ً ) .. كان ذلك أواخر العام 1988 حيث وضعت الحرب العراقية ــ الإيرانية أوزارها منذ بضعة شهور .. وكنت أنتظر تسريحي من الجيش بفارغ الصبر .

أعترفُ أنه كان رحيما ً بي رغم ظلمه لذلك الكرديّ المسكين .. فقد كان بإمكانه أن يحيلني إلى التحقيق لأنال أقصى العقوبات جرّاء صرختي في وجهه .. ولكنه لم يفعل .. واكتفي بما تمنيت حيث لم أرافقه بعدها .

كان الصراع في العراق خلال السبعينيّات صراعا ً عنصريا ً بين العرب ( الشيعة والسُنة ) من جانب .. والأكراد من جانب ٍ آخر .. حتى إذا ما حدثت الحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينيّات .. بات الصراع الطائفيّ جليّا ً وواضحا بين العرب أنفسهم ( السُنة والشيعة ) .. وقد وصل الذروة في عقد التسعينيّات بعد هزيمتنا في الكويت واندلاع انتفاضة الشيعة والأكراد ضد نظام الحكم العربيّ السُنّي في العراق عام 1991 .. والتي قُمعت بعد اندلاعها بأسابيع قليلة .. تاركة ً مئات الآلاف في المقابر الجماعية .. مع عشرات الآلاف الأخرى من المهاجرين إلى شتى بقاع الأرض .

لقد كان الشيعة في العراق يشعرون بالحيف إذ يعلمون أنهم يشكلون أغلبية المجتمع العراقي .. إلا أنهم لا يحظون بالرئاسة أو القيادات المهمّة  منذ أن تأسست الدولة العراقية سنة 1921 رغم أنهم كانوا يشكلون العمود الفقري فيها .. وأنهم كانوا وقود ثورة العشرين التي اندلعت سنة 1920 والتي تأسست الدولة بسببها .

أمّا السنّة فهم يعتقدون ــ ومازال البعض منهم يعتقد ذلك ــ بأنهم يشكّلون الأغلبية من سكّان العراق .. وكثيرا ً ما دخلت في سجالات ٍ معهم في هذا المجال حيث أريهم عكس ما يرون .. إلا أنّ ردّة فعلهم كانت النظر في وجهي بصمت ٍ دون تصديق ٍ لما أقول . لا لومَ عليهم .. فهم يبصرون أن رئاسة الدولة والوزارات المهمّة .. والمحافظين .. ومدراء الشرطة .. ومدراء الأمن .. وقيادات الجيش العليا .. والسفارات .. وغير ذلك .. في أغلبيتهم من السُنّة .. لذلك كانوا يشعرون بأغلبيتهم .. ومن هنا كانت نتائج الانتخابات التي جرت وتجري في العراق تشكّل صدمة ً لهم ترقى إلى موضع الشكّ فيها .

كنت قد وصلت إلى رتبة ( نقيب ) في الجيش العراقي حين تمّ استدعائي للخدمة فيه من جديد أثناء احتلالنا للكويت .. ولقد ذهبت مع كلّ الجيش الاحتياطي الذي تمّ استدعاؤه رغم أنفه خشية الإعدام لمن يتخلّف عن الالتحاق .

هناك في صحراء الكويت ..  وفي عام 1990 تحديدا ً .. كنت معاونا ً لقائد كتيبة الدبّابات .. وهو من الموصل أيضا . مازلت أذكر أنني رفضت الذهاب إلى مدينة الكويت للتبضّع منها كما فعل بعض الضبّاط .. ولقد قلت لقائد كتيبتي حينها .. ( لا أريد أن تراني طفلة ٌ كويتيّة ٌ وأنا أرتدي الزيّ العسكري هذا .. فأنا محتّلٌ لبلادها وستشعر بالخوف مني ) .. فقال لي حانقا ً وبصوت ٍ منخفض ( أسكت يا نقيب سعد .. فإن كلامك هذا يؤدي بك إلى الإعدام .. وربّما يعدموني معك ) .. فسكتّ .

لم أكن أشعر في يوم ٍ ما أنّ ذلك النظام يمثّلني .. فهو لم يأتِ عن طريق الانتخابات وإنما عن طريق الإنقلاب العسكري .. فضلا ً عن شعوري بأنني كما بقية أبناء الوسط والجنوب مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة .. لذلك وجدت في انتفاضة عام 1991 فرصة ً لترك رتبتي العسكرية واستقبال ثوار الانتفاضة مرحّبا ً بهم ومُشاركا ً لهم .

هنا أودّ أن أشير إلى نقطة ٍ مهمّة .. وهي ..

إنني لم أستقبل الثوار في مدينتي ( الناصريّة ) ولم أخرج معهم نتيجة المشتركات الحزبية أو الفكرية معهم .. فهم جميعا ً من أحزابٍ وتكتلات دينيّة شيعيّة وأنا رجلٌ أفرّق تماما ً بين الدين وبين السياسة .. وإنما كان ترحيبي بهم نتيجة للقهر والشعور بالإقصاء أمام نظام ٍ طائفيّ جبّار تعمّد التهميش لغالبية أبناء الشعب .. ولقد وجدت في الثورة ملاذا ً للتخلص من ذلك النظام القمعيّ الذي أذاقنا الويل .

أكاد أجزم بأن ما جرى ويجري الآن في المحافظات السنيّة هو شبيهٌ بما جرى في محافظاتنا الوسطى والجنوبية آنذاك . فالذين رحّبوا بعصابات داعش ما كان ترحيبهم محبّة ً بقاطعي الرؤوس وجهلة العصر .. وإنما كرها ً لنظام ٍ رأوا فيه وحسب وجهة نظرهم طائفيّة ً في التعامل .

لقد رأى سُنّة العراق تحت نظام الحكم الشيعيّ الحديث ما لم يعتادوا على رؤيته من قبل .. فالحشود المليونية لزائري العتبات المقدّسة .. والمبالغة في تعظيمها من قِبل الشيعة .. والنوحيّات التي وصلت إلى شوارع مدنهم من أجهزة التسجيل التي يستخدمها الجنود .. والرايات الحسينية التي يرفعها البعض على آليّات الجيش ..  كلّ ذلك وغيره جعلهم يعتقدون بأنه تحدّ ٍ لهم يستخدمه الشيعة بغية استفزازهم .. وفي المقابل .. ظلّ الشيعة يمارسون هذه الطقوس لا من أجل تحدّ ٍ لمشاعر أحد .. وإنما لممارسة ما حُرموا منه لمئات السنين تحت ظلّ الحكومات العربيّة السنّية القمعيّة السابقة .. ولأجيال ٍ متعاقبة .

من هنا أستطيع القول .. أن الطرفين قد تبادلا الشعور بالحساسيّة المذهبية .. وحسب ما يراه كلا الطرفين من ميول الأنظمة السياسيّة .

قد يقول قائل .. إنّ الأمر مختلف .. فالنظام سابقا ً غير منتخب كهذا النظام .. فضلا ً عن أن مشاركة السنّة في الحكم الآن مشاركة ً فعلية لا تشبه مشاركة الشيعة أثناء الحكم الفرديّ لصدام وحتى لمن كان قبله .. إضافة ً إلى أنّ حرية التعبير والإعلام متوفرة ٌ جدّا ً ولا مجال للمقارنة بينها وبين ما كان من تكميم ٍ للأفواه في ذلك الوقت .

وأقول نعم كلّ هذا صحيح .. ولكنّ تبقى نظرة السُنّة إلى النظام الآن تشبه نظرة الشيعة إلى نظام صدام من حيث الطائفيّة .. فكلّ يرى القدح من النصف الذي يريد أن يراه .. وكلّ يستخدم المنظار الذي يتلاءم وزاوية نظرته للأمور .

كان التكتّل الطائفي شديدا ً في المؤسسة العسكرية أثناء الحرب مع إيران .. إلا أنّ الجميع كان يكتم مشاعره خشية السلطة الدمويّة آنذاك . لم يكن بيننا أيّ ضابطٌ كرديّ في بداية الحرب .. حتى إذا ما طالت لعدة سنوات .. بدأنا نشاهد البعض القليل منهم لحاجة طاحونة الحرب إلى المزيد .. وكنت أرى أنهم يميلون إلى الضباط الشيعة .. ويبتعدون عن الضبّاط السنة .. مع علم الجميع بأنّ الكلّ يراقب الكلّ ويخشى بلدوزر القمع العنصري أو الطائفي .

مازلت أذكر اليوم الذي وصلت فيه إلى قاعدة الوليد الجوية في أقصى غرب العراق سنة 1981 .. فقد صادف وصولي في اليوم ذاته الذي قتلّ فيه السادات في مصر .. ومازلت أذكر أنني حين تعرفت بعد أيام ٍ على بعض الطيّارين وجدت الأغلبية الساحقة منهم عربا ً سُنّة .. من قائد القاعدة إلى قادة الأسراب والرفوف فيها إلى بقيّة الطيّارين .. وقد علمت حينها أن سلاح الجوّ مغلقٌ أمام الجميع إلا على العراقيين من العرب السُنّة مع القليل جدّا ً من الشيعة .. أما الأكراد فلا وجود لهم يُذكر .

حين انتهت الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988 فرح العرب السنّة في العراق كثيرا ً .. كما فرح العرب الشيعة والأكراد ولكن بدرجة ٍ أقلّ .. فقد كانوا يتمنّون لو أنّ نظام الحكم قد انتهى معها .. ليتخلصوا من جحيمها ومن جحيم النظام معا .

مازلت أذكر ذلك اليوم الذي دخلت فيه قوات الحرس الجمهوري ( الخاصّة بالرئيس ) إلى مدينتي الجنوبية ( الناصريّة ) في أعقاب انتفاضة سنة 1991 .. رأيتهم وكأنهم دخلوا إلى مدينة ٍ صهيونية .. حيث بطشوا ونكلّوا وقمعوا كلّ من طالته أياديهم .. لدرجة أنني ندمت على خدمتي في الجيش العراقيّ .. واعتذرت من نفسي أن كنت ضابطا ً فيه ذات يوم .

إني لأضحك من سذاجة العقول التي تنسب ما يحدث في العراق الآن إلى أمريكا .. إذ أن الصراعات المتداخلة والمستمرة في العراق ضاربة في الجذور .. وما أمريكا إلا اليد التي رفعت الغطاء عن التنور لتخرج منه النار المستعرة إلى العلن .. ولكنّ اللوم يقع عليها في أنها دفعت بالأحزاب الدينيّة إلى واجهة السلطة عامدة ً متعمّدة .. وهي تعلم ما ستحمله تلك الأحزاب من طائفيّة ٍ تمزّق النسيج الوطني المُهلهلَ أصلا ً .

بعد هذه الإضاءة السريعة والخاطفة على تفاصيل الاحتقان العنصري والطائفي في العراق .. نعودُ إلى ما أسلفنا إليه من حيث ضرورة البحث عن علاج وإن كان سيستغرق الكثير الكثير من السنوات .. وهنا لابدّ لي من مقدّمة تخدم الموضوع .

عندما زرت أمريكا وأمضيت فيها بضعة شهور .. أذهلني ما رأيت .  لمَ تبقَ ديانة ٌ ولا عرقٌ ولا مذهبٌ في الأرض إلا ووجدته فيها .. لا غرابة َ في ذلك فهي دولة مهاجرين .. لذلك ضمّت كلّ ما على الأرض من اختلاف ٍ ومتناقضات ومعتقدات وأعراق بين بني البشر .

ورغم ذلك .. فإنهم يقفون سواسية ً تحت مظلّة القانون .

رأيتُ فيها المحجّبات .. وشبه العاريات .. المؤمنين .. الملحدين .. الشواذ .. والمتدينين من شتى أنواع الديانات .. لا أحدَ يتدخل في شؤون الآخر مادام ذلك الآخر لم يخرق القانون الأمريكي الذي وضعه لهم المشرّعون .. والويلُ كلّ الويل لمن يخترقُ أو يحاولُ أن يخترقَ قانون الحريّات الشخصيّة التي لا تمسّ أمن وسلامة الولايات المتحدة .

لم تصل أمريكا إلى ما وصلت إليه بين ليلة ٍ وضحاها .. وإنما كان ذلك عبر مخاض ٍ عسير ٍ من الصراع والتمييز العنصري والحرب الأهلية وغيرها .. ومايزال فيها الكثير من العنصريين الذي يكتمون مشاعرهم خوفا ً من القانون . لاحظوا أنهم لم ينتخبوا رئيسا ً أسودا ً إلا بعد انتخابهم لأكثرَ من أربعين رئيسا ً أبيضا .. إلا أنّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تخلُ من شخص ٍ أسود اللون يشعر من خلاله السود بأنهم غير مهمّشين .. ولكنهم لا ولن ينتخبوا رئيسا ً مسلما ً أو من أية ديانة أخرى سوى الديانة المسيحيّة لأن أغلبية السكان الأمريكيين هم من المسيح .. إنّ ذلك أمرٌ طبيعي إذ يجب اتّباع ما يكون عليه الأغلبية في مثل هذه الأمور .. مع عدم إقصاء الأقلية .. وقد وصلت أمريكا أخيرا ً إلى التماسك المجتمعي المحكوم بالقانون وإن كان وصولها عبر مئات السنين .

نحن في العراق .. ليس لدينا الكثير من التنوّع .. وإنما ثلاثة مكوّنات ٍ رئيسيّة ٍ فحسب هم ( الشيعة والسُنّة والأكراد ) .. ورغم ذلك لم نستطع التعايش إلا من خلال حاكم ٍ جلّاد ٍ يفرض علينا قسرا ً أن نكون معا ً تحت جبروته .. وإلا تمزّقنا شرّ ممزّق . لماذا ؟

لأن الحاكم سابقا ً ولاحقا ً يحمل الفيروس الطائفي والعِرقي مثل أغلب العراقيين دون أن يشعر بأنه مريض .. إضافة ً إلى أن طائفته لا ترى فيه ما يراه الآخرون المختلفون عنهم طائفيا ً وعرقيا ً من نزعة ٍ طائفية ٍ وعرقية ٍ يمارسها على الغير .

لقد حكم صدام سابقا ً العراق بمنتهى القسوة والبطش تجاه الشيعة والأكراد .. وأنا كنت شاهد عصر ٍ على ما حدث .. إلا أنه لم يكن يعلم بأنه حاملٌ للفيروس الطائفي ــ العنصري .. بل كان يظنّ في نفسه بأنه يعامل العراقيين كأسنان المشط .. حتى إذا ما سقط .. فرح الشيعة .. ورقصَ الأكراد .. في حين حزن عليه السُنّة .

أما وقد وصل المالكي إلى الحكم .. فقد رأى الشيعة فيه ما رآه السُنّة في صدام من قبل .. دون أن يعلموا بأنّ الرجل لا يختلف عن العراقيين من حيث حمله لذلك الفيروس بغير علمه . و من هنا وجد السُنّة والأكراد في المالكي عكس ما وجده الشيعة تماما . إنها المعادلة التي ما إن يتميّز فيها طرفٌ إلا وكان تميّزه على حساب الطرفين الآخرين .

والآن . وبعد أن وصلنا إلى مفترق الطرق .. ما هو الحل ؟

بعض الشيعة يرونَ بالتقسيم الحلّ الأمثل .. وهم مبتهجون بدولتهم الموعودة لدرجة أنهم اختاروا لها الإسم مسبقا ً .. جمهورية سومر . إنّ هذا البعض يريد نسيان اسمَ العراق الذي أرهقهم بالظلم الاجتماعي المستمرّ منذ معاوية حتى صدّام .. حيث عانوا من التهميش والإقصاء والتهجير والمقابر الجماعية والإعدامات الكيفيّة بالجملة دون محاكمات . إنهم يرونَ أنفسهم الأغلبية السكانية التي اضطهدت من قِبل حكم الأقليّة عبرَ قرون ٍ طويلة ٍ دون الأخذ بنظر الاعتبار ما قدموه للعراق من دماءٍ و إثراءٍ معرفي وأدبي وتضحيات ٍ جسام على طريق النضال الوطنيّ المرير من أجل التحرر والاستقلال . إضافة ً إلى شعورهم العميق بالمرارة من أشقائهم العرب حيث وجدوا فيهم الطائفية وهي تتجسّد بأبشع صورها .

 وهنا يشاطرهم الرأي بعض السنّة حيث يرون الحل الأفضل بالانفصال في دولتهم العتيدة .. للتخلص من حكم الشيعة الذين أثبتت الانتخابات بأنهم الأغلبية خصوصا ً إذا ما انفصل الأكراد ( وهم سُنة ) عن العراق .. وهم يشعرون بأنّ الانفصال سيخلصهم من الإقصاء والتهميش اللذين لم يعتادا عليهما طيلة حكمهم للعراق الذي استمر قرونا .. معتمدين على امتدادهم العربي ( السنيّ ) والدعم التركيّ المناصر لهم تجاه الشيعة وولائهم لإيران .

أمّا الأكراد .. فهم في الحقيقة منفصلون فعليّا ً عن العراق منذ بداية التسعينيّات من القرن الماضي .. بعد أن عانوا من بطش وتنكيل الحكم العربيّ لهم إلى درجة إبادتهم بالأسلحة الكيمياوية أمام مرأى ومسمع العرب الذين لم يرفّ لهم جفن لتلك المجازر برغم أنهم يشاطرونهم المذهب .. فهم ( سُنّة ) .. وذلك يعني أنّ العرب لا طائفيون فحسب وإنما عنصريّون أيضا .. ولا حاجة للبقاء تحت سيطرتهم مادامت أمريكا وإسرائيل تشجعهم على ذلك الانفصال .. فضلا ً عن أنه استحقاقٌ قوميّ تدعمه كلّ مقومات الدولة المتوفرة في شعب وأرض كردستان . لقد أبصرت ذلك بأمّ عيني حين ذهبت إلى أربيل منذ بضعة شهور .. حيث لم أجد أثرا ً للدولة العراقية هناك على الإطلاق  . لقد باتوا يملكون كلّ مقومات الدولة .. ولا ينقصهم سوى الإعلان الرسميّ عنها حين تسمح الظروف الدولية بذلك .

والسؤال . هل يكمن الحلّ في العراق عبر واقعية التقسيم ؟ . الإجابة لا .

واهمٌ كلّ من يتصوّر أنه الحل الأمثل .. بل على العكس .. إنها البداية لنزاعات ٍ وحروب ٍ لا أوّل لها ولا آخر . نزاعاتٌ على الحدود .. وعلى الموارد .. وعلى وجود الأقليّات لدى كلّ طرف .. وعلى الكثير مما سيطفو على السطح بعد ذلك .. فضلا ً عن أنّ تلك الدويلات المستحدثة ستعاني من التدخّل الخارجي والنزاعات  الداخلية التي لا حصرَ لها وعلى أبسط الأمور .

فدرالية الأقاليم هي الحلّ ؟ ربما .. ولكنه حلّ وقتي لن يصمد طويلا .

طاغية ٌ جديد يُخضع جميع العراقيين لسيطرته بالنار والحديد ؟ . مستحيل . فقد اختلفت الظروف تماما ً .. ولم يعد بالإمكان إعادة عجلة الزمن إلى الوراء .

أين يكمن الحلّ إذن ؟

قبل كلّ شىء علينا أن نعلم أنه لا توجد دولة ٌ على وجه الأرض دون تنويع في سكّانها .. ولا أعرف شعبا ً يتكون من نسيج واحد في مكوناته مهما كان ذلك الشعب صغيرا . من هنا لا بدّ لنا أن نعتبر اختلاف النسيج المجتمعي لدينا هو أمرٌ طبيعيّ جدّا ً .. ولسنا بدعا ً بين الشعوب فيه .

الأمر الآخر الذي يجب أن ندركه تماما ً .. هو أن انقسامنا سيحوّلنا إلى شراذم في دويلات ٍ متناحرةٍ لا قيمة ولا أهمية لها في بحر التكتلات الدولية الكبيرة سواءً الاقتصادية منها أو المجتمعيّة .

الأمر الأخير .. ينطلق من مثل ٍ عراقيّ قائل ( ما حكّ جلدك مثل ظفرك ) .. أي أننا يجب أن نقتنع تماما ً بأنّ لا حلّ لمشاكل العراق يأتي من وراء حدوده .. فالجميع يسعى إلى تحقيق مآربهم وطموحات شعوبهم .. وعلينا أن نقتدي بهم في هذا المجال .

إذا ما اقتنعنا تماما ً بالأمور الثلاثة أعلاه .. وأخلصنا النيّة تجاه وطننا .. يصبح الحلّ في متناول اليد .. كيف ؟

لابدّ أن نعترفَ أن الجميع ــ بمن فيهم كاتب هذه السطور ــ يحمل فيروس الطائفية أو العنصرية بدرجة ٍ أو بأخرى .. وهذا أمرٌ طبيعيّ غير مرَضيّ طالما أن طبيعة الإنسان تدفعه للانحياز إلى قوميته ودينه ومذهبه .. ولكن طالما يحاول المريض كبح جماح ما يعانيه من خلال أولوية الشعور الوطني لديه وعلاج نفسه عبر الاحتكاك بالآخرين والثقافة الواسعة واعتبار أن مصلحة الوطن فوق كلّ الميول .. فلا ضررَ ولا خوف منه .

إنما يصبح الأمرُ خطيرا ً جدّا ً إذا ما وجدنا احدهم لا يعترف بأنّ ما يعانيه هو عبارة عن مرض ٍ يجب معالجته إن لم نقل استئصاله .. حيث يرى أن قوميته ودينه ومذهبه أنقى وأرقى وأفضل من كلّ القوميّات والديانات والمذاهب الأخرى .. فإذا أضفنا إلى ذلك وجود حزبٍ أو تكتّلٍ يغذي ميوله ليصبح وسطا ً مناسبا ً لنمو الفيروس لديه .. ظهرت أعراض المرض واضحة ً عليه .. وصار من الخطورة بمكان .

يجب أن نعلمَ أولا ً أنّ الأحزاب الدينيّة تحمل تفرقة الشعب معها من خلال فِرقتها هي ذاتها إذ انقسمَت إلى طوائف .. لا لبسَ في ذلك طالما لا يوجد شيعيّ واحد في الأحزاب الإسلامية السنيّة كلّها .. كما لا يوجد سنيّ واحد في الأحزاب الإسلامية الشيعيّة على اختلافها .

من هنا .. يجب الالتفاف حول شخصيات وطنيّة عراقية جدّا ً لا تتخذ من الإسلام وسيلة ً للوصول إلى السلطة .. ويكون معيارها الحقيقي كفاءة المواطن ونزاهته ووطنيّته قبل أي معيار ٍ آخر .. مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الفيروس الطائفي ــ العنصري قد وجد طريقه إلى نفوس الكثير من المثقفين والعلمانيين على الرغم من أن البعض منهم غير متديّن أصلا ً .. لذلك لا بدّ من البحث عن شخصيات وطنيّة لم تظهر عليها أعراض المرض في شتى الظروف والمناسبات .

بعد ذلك هناك نقطة ٌ هامّة .. وهي العمل على أن يشعر العراقيون .. كلّ العراقيين .. بأنهم مواطنون من الدرجة الأولى بالفعل لا بالقول فقط .

لقد ظلّ الشيعة والأكراد يعانون من هذا الشعور طوال عهد صدام إذ لاحظوا أن من يمثلهم في الحكومة العراقية آنذاك عبارة عن إمّعات ترتجف من صوت صدام الذي وصلت كلمة الإعدام خلال حكمه إشبه ما تكون بكلمة ماء من حيث السهولة .

إنهم كانوا ببساطة .. أشبه بالأعضاء الفلسطيننين في الكنيست الصهيوني حيث لا قيمة ولا أهمية لهم ولا لأرائهم .. هذا إن استطاعوا أن يصرّحوا بها أصلا . وقد استمرّ هذا الشعور لدى السنّة والأكراد في عهد المالكي إذ رأوا في من يمثلهم إمّعات لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية ومحاولة الحفاظ على مناصبهم الوزارية التي لم يصلوا لها عن طريق الكفاءة ٍ والنزاهة .. وإنما عن طريق المحاصصة الطائفية والعنصرية المقيتة .

إنّ شعور المواطن بأنه شريكٌ فعلي في أيّ عمل ٍ وطنيّ يرفع درجة المواطنة لديه بكلّ تأكيد .. وسأضرب لكم المثال التالي .

في سبعينيّات القرن الماضي ( حين كنت طالبا ً في جامعة السليمانية ) .. فوجئت أحد الأيام بتذمّر الأكراد نتيجة ً لخسارة المنتخب العراقي لكرة القدم . استغربت الأمر حيث كنت أعلم أنهم لا يهتمون بالفريق العراقي أيّا ً كانت النتيجة . ولكن التذمّر بات واضحا ً جدّا ً في الشارع .. المقهى .. المطعم .. كل الأماكن . عندها دفعني الفضول لأستفسر عن السبب .. فعلمت حينها أن لاعبا ً كرديّا ً واحدا ً كان يلعب ضمن منتخب العراق .

إنه مثالٌ بسيط .. ولكنه ذو مغزى ً عميق .

لاعبٌ واحدٌ فقط جعل الأكراد يشعرون بعراقيّتهم .. فكيف لو ارتفع العدد إلى ثلاثة ٍ أو أكثر . إنّ هذا المثال ينطبق على كلّ مكونات الشعب العراقيّ فيما لو عملت الحكومة بروح الفريق العراقي الواحد الذي يضع فوز العراق فوق أيّ اعتبار .

لقد فشلت كلّ الحكومات العراقية المتعاقبة في ذلك .. طالما أنها لم تعمل بروح الفريق وظلّ كلّ واحد ٍ منهم يسعى لمكاسبه الشخصيّة أولا ً .. ومن ثمّ لمكاسب طائفته وقوميّته وحزبه .. ليستفحل بعد ذلك الانقسام .

إن التناحر الذي برز واضحا ً خلال هذه الفترة .. ماهو إلا تنفيس عن تراكمات ظلت مكبوتة ً لعشرات السنين إن لم أقل المئات .. ولم يحكم العراق شخصٌ واحدٌ لم يحمل فيروس المرض الطائفي أو العنصري كي يستطيع بحكمته وحنكته أن يقود هذا الوطن إلى برّ الأمان .

يجب أن ندركَ جميعا ً أنّ العراقيين عاطفيّون .. وهم يحبّون قائدهم أيّا ً كان حين يجدون فيه العدالة والمساواة بين الجميع . مازلت أذكر تجمّع جنود سريّتي التي كنت أقودها بعد أن علموا بخبر تسريحي من الجيش مع ضبّاط دورتي التي شملها التسريح بعد الحرب . كان ذلك في شهر آب من سنة 1989 .. لقد اجتمعوا والحزن والوجوم على وجوههم لدرجة أن البعض منهم قد انهمرت من عينيه الدموع .

مازلت أذكر إجابة ذلك الجنديّ وهو من قرى الموصل .. حين سألته عن سبب بكائه المرّ فأجاب .. لقد عاملتنا كأخوة ٍ لكَ دون تمييز يا سيّدي .. ولقد فقدناك بعد تسريحك .. وسنفتقدك على الدوام . لقد جمعوا نقودا ً ــ دون علمي ــ واشتروا هدية ً أرسلوها من أقصى الشمال إلى بيتي في الجنوب .. ومازلت أحتفظ بها حتى الآن .

الخلاصة .. يجب البحث عن قيادة ٍ عراقيّة ٍ عادلة ٍ جدّا ً .. لا وجود لمرض الطائفية أو العنصرية بين أعضائها .. وتعمل بما يرضي الله والوطن .

هل أنا أحلم ؟ ربّما .. فكلّ الحقائق قد بدأت بالأحلام .. والعراق يستحقّ أن نحلم له بغد ٍ مشرق ٍ وجميل .

Published inغير مصنف